سعيد عطية علي مطاوع

255

الاعجاز القصصي في القرآن

فلنتحدث في شئ من معاني القصص وما فيه من أفكار جديدة ، فإذا قوله سبحانه في قصة نوح : " وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ " ( سورة الصافات : 74 - 76 ) إلي أن يقول : " وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ " ( سورة الصافات : 78 ، 79 ) ولعلّه لا جديد في أصل المعني ، وإنما هو إخبار عن نوح بأنه سأل ربه والمسؤول مصرّح به في سورة نوح : قال : " قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً " ( سورة نوح : 21 ) إلي أن قال " وقال نوح : " رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً " ( سورة نوح : 26 ) ، ولكن هذا المعنى العجيب : " وتركنا عليه في الآخرين . سلم علي نوح في العلمين " هو موضع الجدة الرائعة ، فهذه فكرة مستجدة وإيماءة من القرآن مستمدة ، فإنها تضيف جديدا إلي المعاني التي لم يسبق إبرازها من قبل ، وهو أن اللّه سبحانه ترك علي نوح في سائر الأمم أن يسلموا عليه إلي الأبد الآبدين ودهر الداهرين . . . فلننظر كيف أن اللّه سبحانه قد سمّي ذلك التقدير العالمي والثناء الإنساني : " تركنا علي نوح في العلمين " وعن مثل هذا المعنى عبّر اللّه سبحانه في قصة إبراهيم عليه السلام وهو يسأله . فيقول : " وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ " ( سورة الشعراء : 84 ) بمعني الذكر الحسن والثناء الجميل ، ولكن التصوير مختلف في المقامين ، مع أنه في كل منهما رائع وجميل ، وتلك من معارف الأنبياء التي تهدي إليها الفطانة ، وتكشف عنها الزكانة ، ويصوّرها القرآن ذلك التصوير ليلهمنا إياه كما ألهمه نبيه ومصطفاه 22 . ويتصل بذلك أن يقوم سبحانه : " وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " ( سورة الزخرف : 26 - 28 ) . ما معنى " جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " إنها تفيد معني كريما . . وهو أن إبراهيم عليه السلام ركّز علي معني التوحيد ونفي الشرك ، كما قال سبحانه في تصوير آخر : " إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ